السيد كمال الحيدري

182

اللباب في تفسير الكتاب

ويترتّب عليها من الأحوال والأعمال ما يناسبها . قال تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ( الروم : 30 ) ، وقال أيضاً : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) ( الشمس : 7 ، 8 ) . في ضوء هذه الحقيقة القرآنية فللإنسان صحّة واستقامة روحيّة معنويّة ، كما أنّ له صحّة واستقامة جسميّة صوريّة ، وله أمراض وأدواء روحيّة باختلال أمر الصحّة الروحيّة ، كما أنّ له أمراضاً وأدواءً جسميّة باختلال أمر الصحّة الجسميّة ، ولكلّ داء دواء ولكلّ مرض شفاء ، ولا يختصّ المرض القلبي والروحى بالمنافقين والكفّار ، وإنّما يمكن أن يوجد في غيرهم من المؤمنين أيضاً ؛ قال سبحانه : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ) ( الأحزاب : 60 ) ، وقال أيضاً : ( وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَا ذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهذَا مَثَلًا ) ( المدثّر : 31 ) . وليس هذا المسمّى مرضاً إلّا ما يختلّ به ثبات القلب واستقامة النفس ، من أنواع الشكّ والريب الموجبة لاضطراب الباطن وتزلزل السرّ والميل إلى الباطل واتّباع الهوى ، ممّا يجامع إيمان عامّة المؤمنين من أهل أدنى مراتب الإيمان ، وممّا هو معدود نقصاً وشركاً خفيّاً بالإضافة إلى مراتب الإيمان العالية ؛ قال تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) ( يوسف : 106 ) ، وقال : ( وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ( النساء : 65 ) . والقرآن الكريم يزيل بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة أنواع الشكوك والشبهات المعترضة في طريق العقائد الحقّة والمعارف الحقيقيّة ، ويدفع بمواعظه الشافية وما فيه من القصص والعِبر والأمثال والوعد والوعيد